فصل: تفسير الآية رقم (148):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (142):

{سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)}.
التفسير:
كان تحوّل النبيّ والمسلمين بقبلتهم في الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، حدثا اتخذه اليهود ذريعة للتشويش على المسلمين، وإدخال البلبلة والاضطراب على معتقدهم، فكانوا يرصدون كل حدث يقع في محيط المسلمين، ليقعوا منه على سلاح مسموم، يعملونه في المعركة التي يخضونها ضد الإسلام والمسلمين.
وحين أمر اللّه نبيه أن يتحول بالمسلمين إلى المسجد الحرام في الصلاة وجدها اليهود فرصة سانحة للعمل، فأذاعوا أن محمدا إنما فعل ذلك على حساب عقيدته، للخلاف الذي بينه وبينهم، وأن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء جميعا، فكيف استباح محمد لنفسه أن يخرج على شريعة الأنبياء وهو الذي يدعو إلى الإيمان بهم جميعا؟ فإذا كان دينه من عند اللّه، فهذا الذي فعله هو إبطال لهذا الدين، ومعالنة صريحة بالخروج على أحكامه، وأما إذا كان ما يدعو إليه من دين هو من عمله، فإن له أن يغيّر فيه ويبدّل كيف يشاء، لكن على ألا يتحكك بالأديان السماوية، وألا يعقد صلة بينه وبين الأنبياء.!
بمثل هذه التخرصات كان يلقى اليهود المسلمين، على ألسنة المنافقين ومن في قلوبهم مرض، وقد أثاروا بهذه المقولات بلبلة واضطرابا، حتى لقد وقع عند بعض المسلمين أن صلاتهم التي اتجهوا بها إلى بيت المقدس لم تكن قائمة على وجهها الصحيح، ولهذا أمرهم اللّه بالتحول إلى البيت الحرام!
هذا، وفى قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ} إخبار بما سيكون من هؤلاء السفهاء من سفاهة، قبل أن يقع منهم هذا السّفه عن تلك الواقعة، وفى هذا ما يكشف عن لؤم القوم وخبث طويتهم، وأنهم- بحكم ما هم عليه من خبث ولؤم- لن يتركوا هذا الحدث من غير أن يثيروا الغبار حوله، وأن يشعلوها فتنة عمياء، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا! وفى قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} ردّ مفحم على تلك السفاهة المضلة، فإذا كانت العبادة للّه وحده، وإذا كانت وجوه العابدين إنما قبلتها للّه وحده، فإن أي متجه يتجه إليه المؤمن هو وجه قاصد إلى اللّه: {فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
وقد وجّه اللّه المسلمين وجهتهم الأولى، وهو الذي وجههم وجهتهم الثانية، وهم في وجهتيهم على صراط مستقيم، إذ كانوا ملتزمين أمر اللّه، آخذين بهديه، عابدين له وحده!

.تفسير الآية رقم (143):

{وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} عطف على قوله سبحانه: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي قد هديناكم إلى صراط مستقيم {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي أمة قائمة على صراط مستقيم، هو الوسط بين التقصير والغلوّ. وهذا هو أعدل المناهج وأقومها، حيث أن التقصير يقعد بصاحبه عن اللحاق بالركب، كما أن الغلوّ يقطع صاحبه عن مواصلة الرحلة، بعد أن يكلّ حدّه، ويفتر عزمه.
وقوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تعليل شارح للأمة الوسط ومكانها المحمود بين الأمم، فأهل هذه الأمة، هم بموقفهم الوسط، شهادة قائمة على الناس جميعا، إذ كان سيرهم على خط الحياة سيرا يحتمله جهد الأقوياء والضعفاء جميعا... إنه سير يحفز همّة الضعيف ويشحذ عزمه، على حين أنه يمسك زمام الشارد، ويردّ أنفاسه المبهورة.
وقوله تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} هو الميزان الذي يضبط الأمة الوسط، ويحكم قيامها على هذا الطريق السّوىّ، حيث كان الرسول الكريم هو المثل الأمثل لأمته، فهو في الأمة الوسط شهادة قائمة عليها، يأخذ بقوله وعمله خطّ الوسط فيها، فيمسك بالضعاف أن ينزلوا عن المستوي الجامع للأمة الوسط، ويهتف بالمغالين ألّا يتفلتوا من خط هذه الأمة وينقطعوا عنه.
والوسط من كل شيء هو مركز الاعتدال منه، ونقطة التوازن فيه.
وطبيعى أن فوق الوسط منزلة أعلى منه، وأنه ليس غاية الكمال، ومع هذا، فإنه- في مجموعه- خير مما فوقه، لأنه أثبت وأدوم، ولأنه أقرب إلى متناول الناس، إن لم يكن الناس جميعا، فالأغلب الأعم منهم.
إن الاعتدال في أي شيء وفى كل شيء، هو مما يحتمله الناس ويقدرون على الوفاء به، ويصبرون على ما يكرهون منه، أما ما فوق الوسط فهو أمر لا تحتمله أكثر النفوس، ولا تصبر عليه.. وقد يرتفع الإنسان إلى أكثر مما يحتمل، فيختل توازنه ويسقط.. ولا تكون السلامة والعافية إلا حيث الاعتدال، الذي يجد الإنسان في مجاله القدرة على التحرك إلى فوق، وإلى تحت، وهو في تلك الحركة- بحكم الوسط- لا يخرج عن المقام الكريم اللائق به، حيث يظل- بالوضع الذي هو فيه- مشرفا على الأرض، مستشرفا للسماء! وقد يقول بعض القائلين: إن الوسط لا طعم له، ولا ذاتية لوجوده.
إنه أشبه بالخط الوهمي بين شيئين.. إنه ليس شيئا، ولا ضد شيء.
إن القسمة في الأمور، هي الشيء وما يقابله.. الخير والشر.. الأبيض والأسود.. الحلو والمر.. الجميل والقبيح.. اليمين والشمال.
أما الوسط الذي يفصل بين هذه المتقابلات فليس إلا خطا وهميا.
ونقول: إننا لا ننكر أن الوسط ليس هو الكمال كله، وأن فوق الوسط منازل كثيرة للفضل، وأنه غير محجور على الناس أن يرتفعوا إليها، وأن يتنافسوا فيها.. بل إن ذلك مندوب محمود.
ولكن هذا شيء، والتشريع العام شيء آخر.
التشريع إلزام لا انفكاك منه.. التشريع عقد بين صاحب الشريعة وأتباع هذه الشريعة.. فهم مطالبون بالوفاء بما شرع لهم، وهم ملومون مأخذون بالعقاب إذا قصروا.. وليس الأمر كذلك فيما كان عن تطوع واختيار.. إذ للإنسان أن يمضيه أو يعفى نفسه منه.. ولا لوم عليه! والتشريع حين يكون عاما.. لأمة، أو للإنسانية كلها- تقتضى الحكمة فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا.. الأقوياء والضعفاء.. في جميع الأزمان والأوطان.
لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده، في دعوتهم إلى الإسلام، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية، ومختتم رسالات السماء- اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء، وأن يكون ما في الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل اللّه عليهم، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا.. فإنه ما على المحسنين من سبيل.
وقوله تعالى: {وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ} بيان للحكمة التي أرادها اللّه من وراء هذا الامتحان الذي امتحن المسلمين به، حين وجههم إلى بيت المقدس، ثم عدل وجههم عنه إلى البيت الحرام. ففى هذا الامتحان يختبر إيمان المؤمنين، وتظهر حقيقة ما عندهم من طاعة وامتثال للّه ولرسوله، من غير أن تدور في رءوسهم أسئلة التوقف، فيقول قائلهم: ما هذا؟ ولم؟ وكيف؟ إذ أن من شأن المؤمن أن يتلقى أمر الرسول بالقبول والتسليم، امتثالا لقوله تعالى: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}: (7: الحشر) وفى قوله تعالى: {وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} إشارة إلى أن هذه المحنة التي امتحن بها المؤمنون كبيرة، لا يجوزها بقلب سليم، ونفس مطمئنة إلّا الذين هداهم اللّه وثبت أقدامهم على طريق الحق واليقين: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}: (213: البقرة).
وقوله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ} تطمين لقلوب المؤمنين الذين وقع في نفوسهم شيء من صلاتهم التي كانوا يصلّونها إلى بيت المقدس، فهى صلاة كاملة، مقبولة عند اللّه.. ذلك أن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما هاجر النبيّ وتحولت القبلة إلى البيت الحرام اهتزت مشاعرهم، وساورهم القلق في شأن تلك الصلاة التي صلّوها إلى بيت المقدس، فكان أن تداركهم اللّه برحمته، وأنزل عليهم قوله: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ}.

.تفسير الآية رقم (144):

{قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}.
التفسير:
يخبر اللّه سبحانه في هذه الآية عن الحال التي كان يعانيها النبيّ الكريم، حين هاجر إلى المدينة وقلبه معلّق بمكة والبيت الحرام، ووجهه يتردد في السماء بين مطالع المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهما على سمت واحد، فقطع اللّه عليه طريق التردد، وأمسك وجهه على القبلة التي تهفو إليها نفسه: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.
ويلاحظ أن هنا تقديما وتأخيرا في عرض الأحداث، إذ جاء ذكر الآثار التي ترتبت على هذه الواقعة، قبل وقوعها، فكشفت الآيات عن موقف اليهود من تحول القبلة إلى المسجد الحرام أولا، ثم عرضت الأمر بهذا التحول بعد ذلك، وفى هذا ما يشعر بأن هذا التحول في ذاته ما كان ليكون موضع تساؤل وجدل، فهو أمر من أمر اللّه، ووجه من الوجوه إليه: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}.
.. ولكن النفوس المريضة لا تجد طعما لحلو، ولا مساغا لطيب، وهذا هو الذي ينظر فيه، ويهتم له، خاصة إذا كان المراء فيه عن علم: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}.

.تفسير الآية رقم (145):

{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}.
التفسير:
المراد بالقبلة هنا الدين والملّة، وموقف أهل الكتاب من النبيّ وما جاء به موقف عنادىّ، فهم منه على خلاف، لا يردّهم عنه أي برهان، ولا تنفعهم معه أية حجة، ولو جاءهم النبيّ بكل آية قاهرة ما آمنوا له، ولا اجتمعوا إليه.. وإذن فهم أبدا على ما هم عليه من هذا الخلاف.. هم مع باطلهم في جانب، والنبي مع الحق الذي معه في جانب، ثم هم فيما بينهم مختلفون، لا يلتقى بعضهم ببعض، ولا يستقيم بعضهم على طريق بعض!.
وفى قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} استبعاد من أن يميل النبيّ إلى جانبهم، لأنهم إنما يتبعون أهواء، ويميلون مع مفتريات!

.تفسير الآيات (146- 147):

{الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)}.
التفسير:
هؤلاء الذين يجادلون النبيّ ويكذّبون به وبرسالته، من أهل الكتاب- وخاصة علماءهم- يعرفون صدق هذا النبيّ، إذ يجدون صفته في التوراة والإنجيل، بحيث لا يلتبس عليهم من أمره شيء، ولكنهم ينكرون هذا الحق الذي يعلمونه علم اليقين، حسدا وبغيا، وذلك ضلال ما بعده من ضلال، واللّه سبحانه وتعالى يقول: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [23: الجاثية] وقوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} تطمين للنبىّ الكريم، وتثبيت له على ما عنده من آيات اللّه، فهى الحق من عند اللّه، فلا جدال فيها ولا امتراء، كما يجادل ويمارى الذين بأيديهم مثل هذا الحق من أهل الكتاب.

.تفسير الآية رقم (148):

{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)}.
التفسير:
أي دع مراء هؤلاء القوم، فلهم وجهتهم، ولك وجهتك، واستبق الخيرات أنت ومن معك من المؤمنين، فذلك هو الذي ينفع يوم الجزاء، يوم يقوم الناس لربّ العالمين.

.تفسير الآية رقم (149):

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)}.
التفسير:
لا مراء مع أهل الكتاب، ولا التفات إلى ما يرجف به المنافقون في شأن القبلة وتحول المسلمين إلى البيت الحرام، وإذن فالمسجد الحرام هو قبلتك أيها النبيّ، تتجه إليه أينما كنت، في الحضر أو في السفر، فذلك الأمر هو الحق المنزل إليك من ربّك، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

.تفسير الآية رقم (150):

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)}.
التفسير:
أعيد الأمر مرة ثانية بأن يوجّه النبيّ وجهه شطر المسجد الحرام، ولكن في هذه المرة دخل المسلمون معه في هذا الأمر، وإن كان دخول المسلمين مع النبي لازما في الأمر الأول، وذلك ليتقرر في نفوس المسلمين أنه أمر لازم لا رجوع فيه، ولا تحول بعده.
وفى قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ما يقطع بأنه لا تحول عن البيت الحرام بحال أبدا، فذلك مما يعطى اليهود حجة على المسلمين إذا هم رجعوا فتحولوا بقبلتهم إلى بيت المقدس، استجابة لما يوسوس لهم به اليهود، إذ أن الحق طريق واحد، والتردد فيه يعمّى السبل إليه.
وقد عبّر القرآن عن اليهود هنا بكلمة الناس ليدخل معهم غيرهم، ممن تأثر بوسوستهم واستمع لضلالتهم.

.تفسير الآيات (151- 152):

{كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)}.
التفسير:
من تمام النعمة على المسلمين، أن اللّه سبحانه أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات اللّه، ويطهرهم بالإيمان من أرجاس الوثنية والشرك، ويعلمهم ما في كتاب اللّه من شرائع وآداب، وما في سنة الرسول من أدب وحكمة، ويفتح لهم بذلك آفاق العلم والمعرفة.. وحقّ على المسلمين من أجل هذا أن يذكروا فضل اللّه عليهم، وأن يحمدوه ويمجدوه، ليزيدهم اللّه من فضله: {فاذكرونى أذكركم} أي اذكروني بالحمد والشكران، أذكركم بالمزيد من الفضل والإحسان.